حكم تهذيب اللحية

حكم تهذيب اللحية

من رحمة الله سبحانه وتعالى أن خلق لنا علماءً أفذاذ، ليوضحوا لنا تعاليم الدين الحنيف، والشريعة السمحة، وقد قدّر سبحانه أن يختلف أولئك العلماء في معظم قضايا التشريع، حتى يفتح للناس باب التيسير والتخفيف.. ولما كانت المذاهب متعددة؛ كانت بعض الأحكام فيها اختلافات يسيرة من وجهة نظر المجتهد.. أما العقيدة؛ فثابتة راسخة لا تتبدل ولا تتغير، ولا أحد يختلف عليها.

ولقد كان من بعض الأمور التي اختلف العلماء عليها.. اللحية؛ وأحكامها المتعددة، من قص وتهذيب، وحلق، وإعفاء، وتقصير، وصبغ، غيرها..

وفي هذا المقال المتواضع، سأتعرض لحكمٍ واحد؛ من أحكام اللحية، وهو حكم تهذيب اللحية.. هل يجوز؟ أم هو محرم؟، أم الأمر فيها اختلاف بين العلماء، أم لربما حسب الضرورة، والأذى الواقع على النفس منها؟!!! كل هذه الأسئلة، سأجيب عليها بإذن الله..

  • جاءت النصوص النبوية كثيرة؛ التي تبين الأمر بإعفاء اللحية، وهذا بدوره يقتضي عدم تقصيرها، أو الأخذ منها شيء، كما أنه لم يرد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أثراً يبين فيه جواز الأخذ من اللحية، وهو نفسه (صلى الله عليه وسلم)؛ لم يأخذ من لحيته شيئاً..
  • ومن الآثار الواردة عنه (صلى الله عليه وسلم)؛ بالأمر بإعفاء اللحية، قوله (صلى الله عليه وسلم): " أعفوا اللحى، وحفوا الشوارب"، وفي رواية: "وفروا اللحى، وأحفوا الشواب"..

كما ثبت أنه (صلى الله عليه وسلم) رأى يوماً نصرانياً، قد أطال شاربه، وقصر لحيته؛ فسأله عن ذلك، فأجاب النصراني: "هكذا أمرنا ديننا"، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): "أما نحن المسلمين فقد أمرنا ربنا أن نطلق اللحية، ونقص الشارب".. فهذا يبين بوضوح أن إعفاء اللحية، فيها مخالفة للكفار، وعدم التشبه بهم..

  • لأجل ما سبق.. اختلف العلماء، بحسب اجتهاد كلٍ منهم؛ وفهمه للنص والأثر الوارد عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، فمنهم من فهم أن هذه الأحاديث جاء الأمر فيها؛ على صيغة الوجوب، فحرموا لذلك تهذيب اللحية والأخذ منها..

ومنهم من فهم أن الأمر هنا من باب الاستحباب، والعمل بسنن الفطرة، والاقتداء بالحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم)، فلذلك أجازوا الأخذ من اللحية، بل وتهذيبها؛ لما في الشريعة من تيسير ورحمة على الأمة الإسلامية..

  • والراجح في هذه المسألة والله تعالى أعلى وأعلم، بأنه يجوز تهذيب اللحية؛ شريطة ألا يتشبه الإنسان المسلم بالنصارى وأهل الكفر، فهو بكل الأحوال أرقى وأعظم، وهو شامة بين الأمم..

وكل الأحاديث التي جاءت في هذه المسألة تفيد العمل بالسنة والندب التي جاء بها الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم)، وليس على سبيل الفريضة والوجوب..

ومما يؤكد أن الأحاديث النبوية التي جاءت في إعفاء اللحية تدل على الندب، ما كان من فعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم.. فقد جاء في الأثر أن -عبد الله بن عمر- رضي الله عنه كان يهذب لحيته؛ ويأخذ منها، وكذلك فعل -أبو هريرة- رضي الله عنه.. فلو أن الصحابة فهموا وجوب إعفاء اللحية؛ وعدم الأخذ منها، لما هذبوا لحاهم، وهو أحرص الناس على دينهم...

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.