كيف تتعلم الخطابة

كيف تتعلم الخطابة

مقدمة

إنّ الخَطّابة وإلقاء المواعِظ والخُطَب والدُروس والمُحاضرات بكافة عنواينها وموضوعاتها هي من أقوى وأعظَم وسائل الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى، إذْ إنّ إلقاء الكلمة كان الوسيلة والأداة الأولى والأساسيّة للرُسل – صلوات ربّي وسلامُه عليهم أجمعين – جهِروا بها في أقوامِهم بأبلَغ عبارة، وأحسَن أسلوب وأدّق الحروف، وأجمَل الكلمات، وصِدق المَنْطِق، ولِمَا للكلمة المُلقاة من أهمية، ومكانتِها العالية في دِيننا الإسلامي، جُعلَت جزءً لا يتجزّأ من شعائِر المُناسبات الكُبرى عند المسلمين: كخُطبَة العيدين، ويوم عرَفَة، ويوم الجُمعة، وصلاة الاستسقَاء.


هذا وقد قامَ رسولُنا الكريم بالاستعانَة بالكلمة مُنذُ أنْ كُلّف بالرسالة والدّعوة لدين الإسلام، فخَطَب بها، وجادَلَ وقام بحوارات كثيرة، حتى آخرَ أيامِه على هذه الدنيا حيثُ قام بتلخيص أهم تعاليم وأُسُس الإسلام في خُطبةِ الودَاع، ومنْ هُنا يأتي الاهتمام بأصول وأسُس الخَطابة .


تعريف ومعنى الخَطَابَة لغةً واصطلاحاً

  • الخَطَابة لُغَة: الخَطابَة مصدر، فِعلُه ( خَطَبَ ) من باب قتَل، يتعدّى بنفسه وبحرف الجَر، ويُقال: فلان خطيب القوم إذا كان هو المُتكلّم عنهم، والجَمع خُطباء وهي: الكلام المنثُور المَسجوع ونحوِه.
  • الخَطَابَة اصطلاحاً: وضَع العُلماء عِدّة تعريفات للخطَابة وكل واحد منهم أخذ ناحية مُعيّنة في تعريفه للخطابة وليس هناك تعريف ومعنى جامع لها، ويُمكن تعريفها بما يلي: "كلام منثور تمّ تأليفه ويُخاطِب به الفرد الجماعة الموجودة في مجلس بقصد الإقناع و ماسك والاستِمالة لِوجهة نظر الخطيب".


قد لُوحِظَ أنّ للخَطابة عِلماً، له أصلُه وقوانين تحكُمها من عَمِل بها أصبح خطيباً، وفي الحقيقة أنّ هذا العِلم يُرشِد طُلابُه إلى مناهج عديدة ومسالِك غير محدودة، وقد لا تجعلُه بالضّرورة خطيباً، بل يُعطيه أداة للإنارة ولا يضمَن له الرؤية، فقد يكون في عينِه ضَعْف، ويُعطيه الأداة وقد يكون غير قادر لاستعمَالِها.


تعريف ومعنى عِلم الخَطابَة

اختلَف العُلماء في تعريف ومعنى عِلم الخطابة، وقد خرجت العديد من التعريفات، وقد اتفَق كثير من العلماء إلى تعريف ومعنى جامع لِعلم الخَطابة: "قوانين وقواعِد وأُصول يهتدي الإنسان بها إلى فنْ مُخاطبِة الجماهير وإقناعَهم بطريقة إلقائيّة مُميزّة ومُحكمّة القول وتشمل البَلاغة والجماليّة للكَلِم.


كيف تتعلم الخطابة

  • لا شَكّ أنّ مُخاطبة الجمهور لإقناعِهم هو فنْ قديم وقد تطّور مع تطُور قُدرات الإنسان ومراحل حياتِه، وقد أصبَح اليوم عِلماً هاماً ومن العلوم التى يعتمِد الطبقة الحاكمة للأمُم كثيراً في داخلها وفي خارِجَها في أوقات السّلام وأوقات الحرب، وقد أخذ أشكالاً عِدّة، وتُسمى بأسماء مُختلِفة من الغزو الثقافي، إلى الإعلام إلى عِلم الدّعاية إلى الحرب النفسيّة، إلى غير ذلك.

ويعتمِد هذا الفنْ على قوانين وعلى أصول مُحدّدة من المعرفَة والدّراسة والتجرُبة، والدّراية بالأحداث والوقائع والبيئات والعادات والتقاليد والقِيم، إلى غير ذلك وكل هذا يحتاج إلى لمسَة الخطيب المُميزة في استغلاله فيما يُريده وتوجيهِه ذلك إلى ما يخدِم فِكرته ووجهَة نظرِه وهدفِه المُراد. وبما يُوافِق الحال الذي يقتضيه، وهذا هو الفن المُراد استخدامُه والاستعانَة والبراعَة فيه، مُؤيداً ذلك بكل الحِجج والبراهين والأدّلة على صِدق ما يدّعيه وفيما يقصُدُه ويُريد الوصول له.

  • تحتاج في الخَطابة إلى جُمهور يقصُدُه الخطيب ويُريد إقناعُه بما يُريد وبدون الجمهور لا خطيب ولا خُطبة، فمن يتحدث مع فرد لا يُسمى ذلك بالخطيب،

ولا يُسمى ذلك الحوار خُطبة، ولا يحتاج في مثل هذا الموقف إلى لَهجَة خِطابية رسميّة وإنما يتّم الاكتفاء بأنّ يشرح المعنى بصوت هادئ وطريقة عاديّة.

  • تكون الخَطابة في مُعظمِها بطريقة الإلقاء، ويعني ذلك أنْ يكون الخطيب على شكل مُعين في الحديث من الجَهر بالصوت وتجسيد المعاني واتبّاع أسلوب بلاغي وإقناعي، وقد يصحَب ذلك شيء من الانفعَال الجسدِي مع بعض الحركات باليد إلى غير ذلك من مُتطلبَات الإلقَاء المُقنِع والمُؤثِر.
  • أنْ يكون الحديث له صِفَة الإقناع و ماسك فيكون شاملاً على أدّلة وبراهين وحُجَج دامِغَة يقدر بها الخطيب أنْ يُثيت صحة كلامِه وصواب هدفِه، أما إذا كانت الخُطبة خالية من هذا فإنّ ذلك يكون طرح لرأي صاحبه أو إعلان عن شيء، أو يكون كلاماً غير مُقنِع أو صِياحاً بلا فائدة لا يُؤدي إلا إلى ملل الجُمهور أو ضَياع للوقت والجُهد، وقد يُؤدي ذلك إلى عكس المطلوب.
  • على الخُطبة أنْ تشتمِل على بعض العناصر التأثيريّة، والمُهم وجود عناصر مثل: إثارة العاطِفة وبعثْ العديد من الأحاسيس، والرفع من الهِمَم والعزائِم، والتّرهيب والتّرغيب، لأنّ المُستمِع قد يكون اقتنَع بفكرة مَا ثم لا تعنِيه تنفيذَها أو العمل بها، ولكنْ الهدف الأساسي من الخُطبة هو الإقناع و ماسك والتحرّيض، والتنفيذ فهناك اختلاف بين كثير من وسائل الإعلام في أساليبها، وتختلِف عن المنشور المَكتوب وعن المَقالات وعن الدّرس والحديث العادِي.


نصائح قيّمة

  • لا تُظهر أنك خائف ولا تُخبر أحداً عن خوفك ولا تتحدث عنه، كُن واثقاً فإذا كان عليك أن تفعل شيئاً فلا تتظاهر بغير حقيقته.
  • قُم بإعداد وتجهيز نفسك جيداً وسوف تقوم بالخطابة بصورة جيّدة وتذّكر أنّك إنْ لم تستعِد، فلن تُواجه سِوى المشكلات.
  • ركّز وحدِّد الشيء الذي تخافه بدقة، على سبيل المثال: (أخشى أن أنسى ما يجب أن أقوله).
  • أكتب أسوأ النتائج المتوقعة وقم بالتجهيز لها، فإذا كنت تخشى مثلاً أن تنسى ما ستتحدث به، فإحتفظ بالملاحظات إلى جانبك، وحاول أن تسأل أسئلة توفر لك الوقت الذي تحتاجه.
  • قم بسؤال نفسك ماذا إذن؟، ماذا سوف يحدث لو وقعت أثناء السير وضحك الجميع؛ فلست أول من حدث له ذلك، فإذا قمت بوضع الأشياء في موضعها الصحيح ستكون أقل خوفاً.
  • قُم بأخذ نفساً عميقاً واسترخِ وابدأ حديثك بهدوء، وحاول أن تُخصِص وقتًا لتهدئة التوتر الذي قد يكون باديًا على وجهك وجسدك قبل العرض.
  • حاول تهدئة عضلات وجهِك بمُمارسة التمارين البسيطة.
  • خمّن ردود الفعل المُحتملة والإهتمامات لدى المُتدربين.
  • احذَر المُراجعة في الدّقائق الأخيرة فهي ترفع من شُعورِك بالتّوتر.
  • خُذْ نفساً عميقاً عدّة مرات قبل أن تبدأ ليكون تنفُسَك مُنتظمَاً.
  • حاول أنْ تُفكِر في أشياء إيجابية.


خصائِص عامة تشترِك فيها كل أنواع الخُطَب

  • تعتمِد الخَطابة في الأساس على ثلاثة عناصر وأولها المنطِق والحُجّة، وثانيها أقوال الحُكمَاء والحوادِث المنقولَة عن ثِقَة عنهم، ثالثُها صَنعة الخطيب الذي يمزجُ كل هذا ببراعَة من الفنان وعاطفتِه وخياله، وقد يُكثِر من استخدام العاطِفة إذا كان يُخاطب بعض الجمهور من العَوام أو منْ يميلون إلى سماع هذا اللون ويُؤثر فيهم الكلام الممزوج بالعواطِف.
  • التركيز على إيضاح العبارات وكلمات وعبارات والدّقة في اختيار المضمون في الخُطبَة وإظهار مَعانيها بحيثُ يكون المطلوب الذي يهدف إليه الخطيب مَفهوماً فلا يصِح أنْ يستعمِل الخطيب كلمات وعبارات لغويّة صعبة المعنى أو غريبة على فهمِ النّاس أو تكون أعلى من مُستوى إدراك الناس.

فخُطبة المُثقفين تختلِف عن خُطبة العامة، وليس هناك خطأ من توضيح بعض المعاني باللُغة العاميّة على أنْ يكون هذا في حدود ضيقة، فإنّ اللغة العربية ما تزال هي المُؤثرة حتى في المُجتمعات العاميّة.

  • قد يتِم استعمال الأسلوب المُعتمَد في القصة فيستعين الخطيب ببعض القصص الخفيفة أو حدث تاريخي كمِثال على ما يقول، وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على نوع القصة المُستخدمة وتوافقها وموقعُها وقِصرُها، فالقصص يكثُر استخدامِها بشرط أنْ لا تكون طويلة بحيثُ أنها تُشتت السّامِع عن الغرض الأساسي للخطبة.
  • التركيز على مَقامات الخُطبَة وهي مُتعددة فيجب أنْ تكون عبارة الخُطبة بحسب المَقام، ويجب أنْ يكون حال الخطيب كذلك، فخُطب السِلم والحرب غير خُطب الزواج والطلاق وخُطَب الترغيب غير خُطَب الترهيب.
  • الخُطبة أقدَر من غيرها على الإقناع، لأنّها لا تعتمد على تكلُف أو أوزان مثل الشعر، وتستطيع إيضاح كل جوانب الموضوع بغير تكلُف وأن تمزِج الإحساس بغير عناء، وأنْ تدخُل القصة والمثل والحِكمة في ثناياها بغير أنْ يختّل المعنى، كما تستطيع الخُطبة أنْ تستوعب النُصوص بغير تبديل ولا تغيير أو تحريف،

وهي مع ذلك تتمتّع ببلاغة اللّفظ وحُسن التعبير وبرّد العاطفة.


نَشأة الخَطابة

نشأت الخَطابة مُنذُ القِدَم وبالتّزامُن مع مراحل خَلق الإنسان وتطّورُه لأنها شيء تقتضِيه الفِطرَة البشريّة للتوجيه والإرشاد السّليم والقيادة الصّحيحة للسيْر في هذه الحياة والوصول للهدف باحسن وأفضل الطُرق.


الخَطابة واليونان

الخَطابة قديمة قِدَم البشرية، وأمّا عِلم الخطابة فإنّ الباحثين اكتشفوا إنّ أول منْ كتب عِلم الخَطابة وجعل له أصلاً وقواعِد تحكُمُه هم اليُونان، فقد قويّت لديهم الرّغبة إلى القول واشتدّت فيهم دواعيه، فأحبّ الناس الفصَاحة وحبّ الكلمة وحُسن الإلقاء.


الخَطابة والعَرب

اشتهَرت الأمة العربيّة بالفصاحة والبلاغة والبيان والكَلِم ووصلت لحدْ من الرُقي لم تبلُغه أمة من الأمم قبلها أو بعدها، وكان شُعراء العرب والبُلغَاء منهُم هم فخرُ قبيلتهُم وعزّها ومجدِها.