اغلاق

من مؤلف كتاب البخلاء

من مؤلف كتاب البخلاء

كتب كثيرٌ من الأدباء وأصحاب النّوادر والفكاهة عن البخل والبخلاء، وقد تميّز في هذا المجال عمرو بن بحر الكناني ويسمّى بالجاحظ نظرًا لجحوظ عينيه، وقد كان الجاحظ محبًّا للقراءة والكتابة حبًّا شديدًا، وقد انكبّ على قراءة الكتب في شتّى مجالات المعرفة، ممّا أسهم في صقل شخصيّته بشكلٍ كبير، وقد ساهم قرب الجاحظ من طبقاتٍ متنوّعة من النّاس- حيث اجتمع مع الوزراء ودخل قصورهم وبيوتهم، كما اجتمع مع عامّة النّاس والفقراء- في إكسابه مهارات اجتماعيّة واسعة وحسّا فكاهيًّا عفويًّا.


وقد كانت كتاباته مبنيّة على خبراته الشّخصيّة مع أناس اشتهروا بالبخل؛ حيث أورد حوارات بينهم وقصصًا لهم بأسلوبٍ مبني على الدّعابة، وقد صوّر الجاحظ بأسلوبٍ رائعٍ متميّز تعابير وجوه البخلاء وعلامات و دلائل القلق والتّوتر التي تظهر على محيّاهم بعباراتٍ بليغةٍ معبّرة، وقد كان كتابه البخلاء بحقّ من أنفس الكتب التي تداولها الأدباء والكتّاب بقليلٍ من النّقد وكثيرٍ من القبول، وعلى الرّغم من أسلوب الفكاهة والتندّر في كتاب البخلاء للجاحظ، إلّا أنّ القارىء لا يشعر وهو يقرأ هذا الكتاب بمشاعر البغض والكراهيّة لهذه الفئة من النّاس بسبب القالب المحبّب الّذي توضع فيه تلك القصص والحوارات والأسلوب المبني على التّعاطف والشّفقة؛ حيث يروي الجاحظ تلك القصص للبخلاء من منظور اجتماعيّ نقديّ بحت، وليس بهدف توليد الكراهيّة لدى النّاس اتجاه هذه الفئة.


وقد ورد في كتاب البخلاء ذكر كثيرٍ من الأسماء لمشهورين ومغمورين من النّاس، كما ورد فيه ذكرٌ لكثير من البلدان والأماكن، وبالتّالي فقد كان هذا الكتاب بحقّ موسوعةً أدبيّة جغرافيّة اجتماعيّة فلسفيّة أبدع فيها الكاتب باستخدام أدواته اللّغوية الخاصّة التي تعبّر عن كاتب ملمّ بكافّة العلوم، عارف بطبائع النّاس وآفات نفوسها من بخلٍ وشحّ وغيره.


وقد عايش الجاحظ فترة الخلافة العباسيّة؛ حيث كان مقرّبًا من كثيرٍ من الخلفاء والوزراء، وقيل إنّ أحدهم كلّفه بكتابة وتأليف هذا الكتاب، وقد أشار الجاحظ إلى ذلك في مقدّمة كتابه، وقد اختلف المؤرّخون في شخصيّة هذا الوزير، فقيل إنّه محمّد بن عبد الملك الزيات الوزير في عهد المعتصم والواثق، وقيل بأنّه الفتح بن خاقان.


وقد تأثّر الجاحظ بفكر المعتزلة بشكلٍ كبير، وهذا يظهر في مؤلّفاته، وقد تتلمذ على يد شيوخ المعتزلة مثل أبو هذيل العلاف. وقد أصاب الجاحظ شللٌ في أواخر حياته، وبينما كان منهمكًا في قراءة الكتب وقع رفٌ من الكتب عليه فأرداه قتيلًا ليكون شهيد العلم والثّقافة تاركًا وراءه تراثًا فكريًّا وأدبيّا خلّد اسمه في التّاريخ كواحد من أهمّ الكتاب والأدباء المسلمين .