مقدمات النُّبوّة

عندما زادت الهوة الفكريّة والعمليّة بين الرَّسول صلى الله عليه وسلم وقومه، وبدأ قلقه يتزايد لما يراه عليهم من الشقاوة والفساد؛ ممّا حدا به إلى الاعتزال، وازدادت هذه الرَّغبة لديه مع تقدُّم السِّن؛ فأخذ يخلو بنفسه في غار حِراء يتعبدّ الله تعالى، وذلك من كُلِّ سنةٍ شهر وهو شهر رمضان؛ فإذا أتمّ الشَّهر نزل من الغار صباحاً وطاف بالبيت، ثُمّ يعود إلى داره.


تكرر ذلك منه صلى الله عليه وسلم ثلاث سنواتٍ، فلما بلغ من العُمر أربعين سنةً، بدأت طلائع النُّبوة وتباشير السَّعادة في الظُّهور؛ فكان يرى رؤيا صالحةً تقع كما يرى.


نزول الوحي على الرَّسول صلى الله عليه وسلم

نزل الوحي على النَّبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ليلة القدر يوم الاثنين قبل طُلوع الفجر في تاريخ الحادي والعشرين من الشَّهر الفضيل، وهذا التَّاريخ يوافق اليوم العاشر من شهر أغسطس سنة ستمائة وعشرة ميلاديّ.


كان حينها يبلغ من العُمر إحدى وأربعين سنةً وستة أشهرٍ واثني عشر يوماً بحسب السِّنين القمريّة، وتساوي بالسِّنين الشَّمسيّة تسعاً وثلاثين سنةً وثلاثة أشهرٍ واثنين وعشرين يوماً وهو معتكفٌ في غار حِراء، يذكر الله ويعبده كما اعتاد ذلك كلَّ سنةٍ في شهر رمضان، فجاءه جبريل عليه السَّلام بالنُّبوة والوحي.


نزل جبريل عليه السَّلام على النّبي صلى الله عليه وسلم فضمَّه إليه ضماً شديداً حتّى بلغ الجُهد بالنّبي صلى الله عليه وسلم ما بلغ، ثُمّ تركه وقال له: اقرأ؛ فأجاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئٍ- أي لا أجيد القراءة-؛ فكررّ ما فعله سابقاً مرَّتيّن، وفي كلِّ مرّة يُطلقه يطلب منه القراءة، ثُم قال:{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{5} }.


عاد النّبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته بعد الذي حدث معه في الغار يرجف قلّبه من هول ما رأى وما سمع، فطلب من زوجته خديجة رضي الله عنها تزميله أي تغطيته؛ ففعلت هذا فذهب عنّه الرَّوع، وقصّ على زوجته ما حدث في الغار؛ فقالت: كلا، والله ما يخزيك الله أبداً، إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقّ.


الزَّوجة الحكيمة المساندة لزوجها لم تكتفِ بالقول بل أخذت زوجها إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، ابن عمها وكان على دين النَّصرانيّة؛ فطلبت منه خديجة الرَّأي؛ فقصّ النَّبي صلى الله عليه وسلم على ورقة ما رأى؛ فأجابه ورقة: بأنّه النَّاموس الذي نزل على موسى من قِبل الله تعالى- أي الوحيّ- وأخبره ورقة بأنّ قومه سوف يخرجونه من مكّة، وتمنّى ورقة أنْ يكون موجوداً حينها حتّى يقف مع النّبي صلى الله عليه وسلم وينصره لكنّه تُوفي بعد ذلك بقليلٍ.